الذهبي
367
سير أعلام النبلاء
قال ابن طاهر : كنت يوما أقرأ على أبي إسحاق الحبال جزءا ، فجاءني رجل من أهل بلدي ، وأسر إلي كلاما قال فيه : إن أخاك قد وصل من الشام ، وذلك بعد دخول الترك بيت المقدس ، وقتل الناس بها ، فأخذت في القراءة ، فاختلطت علي السطور ، ولم يمكني أقرأ ، فقال أبو إسحاق : ما لك ؟ قلت : خير ، قال : لابد أن تخبرني ، فأخبرته ، فقال : وكم لك لم تر أخاك ؟ قلت : سنين ، قال : ولم لا تذهب إليه ؟ قلت : حتى أتم الجزء ، قال : ما أعظم حرصكم يا أهل الحديث ، قد تم المجلس وصلى الله على محمد ، وانصرف . وأقمت بتنيس مدة على أبي محمد بن الحداد ونظرائه ، فضاق بي ، فلم يبق معي غير درهم ، وكنت أحتاج إلى حبر وكاغد ، فترددت في صرفه في الحبر أو الكاغد أو الخبز ، ومضى على هذا ثلاثة أيام لم أطعم فيها ، فلما كان بكرة اليوم الرابع ، قلت في نفسي : لو كان لي اليوم كاغد ، لم يمكني أن أكتب من الجوع ، فجعلت الدرهم في فمي ، وخرجت لاشتري خبزا ، فبلعته ، ووقع علي الضحك ، فلقيني صديق وأنا أضحك ، فقال : ما أضحكك ؟ قلت : خير ، فألح علي ، وأبيت أن أخبره ، فحلف بالطلاق لتصدقني ، فأخبرته ، فأدخلني منزله ، وتكلف أطعمة ، فلما خرجنا لصلاة الظهر ، اجتمع به بعض وكلاء عامل تنيس ابن قادوس ، فسأله عني ، فقال : هو هذا ، قال : إن صاحبي منذ شهر أمر بي أن أوصل إليه كل يوم عشرة دراهم قيمتها ربع دينار ، وسهوت عنه ، فأخذ من ثلاث مئة ، وجاء بها . قال : وكنت ببغداد في سنة سبع وستين وأربع مئة ، وتوفي القائم بأمر الله ، وبويع للمقتدي بأمر الله ، فلما كان عشية اليوم ، دخلنا على أبي